في عالم يتسارع فيه إيقاع التحديث، تبرز قصصٌ ملهمةٌ تسعى للحفاظ على عبق الماضي وإرث الأجداد بلمسة عصرية. وفي تغطية خاصة وحصرية لـ 'سعودي 365'، نسلط الضوء على مبادرة رائدة ومبدعة تقوم بها المصممة اللبنانية الشابة ميريم أبي طربيه، صاحبة استوديو "توت" للتصميم، والتي تمكنت من نسج خيوط الأصالة والمعاصرة في لوحة فنية فريدة، لتُقدم لنا أدوات مطبخ تقليدية عريقة في ثوب جديد ومبتكر. تتزامن هذه التغطية مع أجواء يوم التراث العالمي لعام 2026، حيث تتجدد الدعوات العالمية للاهتمام بالتراث وصونه للأجيال القادمة، وهو ما تتبناه رؤية المملكة العربية السعودية 2030 في تعزيز الهوية الوطنية والتراث الثقافي.
استوديو "توت": رؤية تتجاوز التصميم وتلامس الروح
أسست المصممة ميريم أبي طربيه، البالغة من العمر 26 عاماً، استوديو "توت" بعد مسيرة أكاديمية حافلة شملت البكالوريوس في تصميم المنتجات من الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة "الألبا"، والماجستير في هندسة التصميم الصناعي والابتكار من "بوليتكنيكو دي ميلانو". وقد استلهمت اسم الاستوديو من تاريخ صناعة الحرير المندثرة في لبنان، ليعكس بذلك وفاءً عميقاً للتراث. وعلمت مصادر 'سعودي 365' أن رؤية استوديو "توت" تقوم على ثلاثة محاور أساسية، تشكل جوهر هويته:
صون الإرث الحرفي ودعم الحرفيين المحليين
- يهدف الاستوديو إلى حماية وإحياء الحرف اليدوية التقليدية التي تواجه خطر الاندثار في ظل التطور الصناعي المتسارع.
- يعمل "توت" على دعم الحرفيين المحليين، باعتبارهم كنوزاً بشرية تحمل في أياديها وخبراتها عصارة أجيال من المعرفة والمهارة، ويضمن لهم استمرارية العمل والابتكار.
إعادة توظيف المعارف القديمة بلمسة عصرية
- لا يقتصر عمل ميريم على مجرد الترميم، بل يمتد إلى إعادة صياغة الأدوات التقليدية مثل الصاج وقوالب المعمول والكركة، لتناسب احتياجات الحياة العصرية وتصاميمها الحديثة، دون المساس بروحها الأصيلة.
- تُعد هذه المقاربة بمثابة جسر يربط بين الأمس واليوم، مما يُتيح للمواطن والمقيم على حد سواء الاستمتاع بقطع فنية ووظيفية تحمل قيمة تاريخية وجمالية معاً.
الحنين إلى الجذور: قصة إلهام من جبال لبنان الشاهقة
تُشكل تجارب الطفولة والذكريات العائلية مصدراً لا ينضب للإلهام لدى ميريم. نشأت في قرية شاتين بجبال شمال لبنان، وعاشت سنواتها الأولى في دولة الإمارات العربية المتحدة، بعيدةً عن جذورها الثقافية. لكنها عادت لتلك الجذور في صيفيات لا تُنسى، حيث كانت تحيط بها عائلتها وأقاربها بين كروم العنب وبساتين التفاح. تتذكر ميريم بحنين وشغف تلك الأيام، ومنها قصة شجرة الكرز الشاهقة التي كانت يقطفون ثمارها من شرفة المطبخ، والتي أحدث قطعها صدمة عميقة تركت في نفسها درساً كبيراً: "الأشياء تتغير، وأحياناً ليس نحو الأفضل. مهمتي اليوم هي أن أحمي تلك الشجرة بشكل رمزي، أو بالأحرى، ما تمثله."
اقرأ أيضاً
هذا الحنين إلى أسلوب العيش الريفي الذي وصفه لها كبار عائلتها، والذي يزخر بالدفء البشري والارتباط الوثيق بالطبيعة، أيقظ في داخلها هدفاً عميقاً يتجذر في هويتها، وبات اليوم يتجلى في كل ما تصنعه. إنها قصة تعكس أهمية الحفاظ على التراث الثقافي للأفراد والمجتمعات على حد سواء، وتُلقي الضوء على كيف يمكن للذاكرة أن تكون وقوداً للإبداع.
من الصاج إلى قوالب المعمول: رحلة الابتكار المستمر
تشير ميريم إلى أن الذاكرة هي الوقود المحرك لعملها، سواء تعلق الأمر بالأدوات أو الطعام أو الطقوس أو الحكايات. تترك أفكارها تترسخ، وتهضمها ببطء، ثم تحولها إلى شيء ذي صلة بعالم اليوم. هذا الشغف بالابتكار التراكمي يظهر في منهجيتها، حيث لا تبحث عن الإلهام في تصاميم الآخرين، بل في العالم من حولها، مع منح ما تصنعه لمسة عصرية خفيفة.
المنهجية التصميمية ومشاركة الحرفيين: شريك لا غنى عنه
- تتبع ميريم منهجية تفكير تصميمي صارمة تشمل البحث والرسم والنماذج الأولية والاختبار والتطوير والتصنيع والتغليف.
- تُعد مساهمة الحرفيين الذين تعمل معهم حيوية ومحورية في تطوير المنتج. فهم يحملون معرفة حرفية موروثة لا يمكن الاستغناء عنها، ويمنحون الأفكار التي تطرحها المصممة وجوداً مادياً ملموساً.
- كان الصاج أول منتجاتها التي تحولت من تصميم معرض عام 2021 إلى منتج تجاري ناجح، تبعتها فكرة "الميني كركة"، ومؤخراً قالب المعمول، الذي صممته ليخدم المستخدم المعاصر الذي يشتاق للتواصل مع ثقافته ولكن مساحتها في حياته اليومية قد ضاقت.
إحياء الأدوات التقليدية للعصر الحديث: ضرورة ثقافية
تؤكد ميريم أن التراث يستحق هذا التجديد، وأن تشجيع الناس على اقتناء هذه الأدوات يُحيي الممارسات والحِرف المرتبطة بها. فهي تُصمم لمن يحنّ إلى الوطن والتواصل والجماعة، ولمن يريد أن يورث إرثه للأجيال القادمة. القطع التي تصممها هي وسيلتها لجعل هذه الممارسات في متناول الجميع، من حيث التوزيع والحجم والوزن وسهولة الاستخدام والثمن.
تُعاني شريحة واسعة من الناس من الشعور بالحنين إلى الجذور الثقافية دون امتلاك السبل للتواصل معها، وهنا يأتي دور استوديو "توت" ليقدم حلولاً مبتكرة تجمع بين العراقة والحداثة، وتشجع على الانغماس في ثقافتنا مع دعم الحرف اليدوية المحلية التي تُعد جزءاً لا يتجزأ من هويتنا.
أخبار ذات صلة
- يوم المرأة العالمي: رسائل ملكية ملهمة من الملكة كاميلا والأميرة شارلين تدعو لتحطيم القيود
- حصرياً لـ 'سعودي 365': النمر يكشف أسرار حماية قلبك بالإقلاع عن التدخين في أسابيع!
- دراسة حصرية لـ 'سعودي 365': متى تتحول المواد الإباحية إلى خطر داهم على الصحة النفسية؟
- اليوم العالمي للقصة القصيرة: احتفاء بعبق الكلمة وتكثيف المعنى في 'سعودي 365'
رسالة إلى المواطن والمقيم: حماية إرث الأجداد
في ختام هذا التقرير الحصري، الذي قام فريق 'سعودي 365' بالتحقق من كافة جوانبه، تتوجه المصممة ميريم أبي طربيه برسالة مهمة إلى كل من يُقدر التراث وأهميته: "تمسكوا بموقفكم. في عالم تصوغه العولمة، قد يبدو البقاء على تواصل مع جذورنا أمراً عسيراً أحياناً. صون التقاليد، سواء بإعادة اكتشاف ما اندثر أو الاستمرار في ما لا يزال قائماً، يحتاج إلى قرار واعٍ." وتضيف: "ثمة وعي متنامٍ، وكثيرون باتوا يختارون إعادة التواصل مع تراثهم بطرق حقيقية وعميقة. كلما انخرطنا في هذه الممارسات، زاد صمودها واستمرارها. فإن شعرتِ بأنكِ مدفوعة للانتماء إلى هذا الحراك، فاتبعي هذا الشعور دون تردد."
إن الجهود التي تبذلها ميريم أبي طربيه واستوديو "توت" هي مثال يحتذى به في كيفية الحفاظ على الموروث الثقافي بأسلوب مبتكر ومُتجدد، وهو ما يتوافق مع تطلعات ورؤى قيادتنا الرشيدة، حفظها الله، في الحفاظ على تراث المملكة الغني وتقديمه للعالم أجمع بلمسة عصرية. تابعوا المزيد من التقارير الحصرية والمُلهمة عبر 'سعودي 365' لتكونوا دائماً في قلب الحدث.