سعودي 365
الأربعاء ١٠ يونيو ٢٠٢٦ | الأربعاء، ٢٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
عاجل

تحقيق حصري لـ سعودي 365: «الاعتداء في الدعاء».. ظاهرة تقلق العلماء وتصحيح للممارسات في رمضان

تحقيق حصري لـ سعودي 365: «الاعتداء في الدعاء».. ظاهرة تقلق العلماء وتصحيح للممارسات في رمضان
Saudi 365
منذ 3 شهر
37

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مع إطلالة شهر رمضان المبارك، شهر الطاعات والعبادات والتقرب إلى الله، تتجه قلوب المسلمين في المملكة العربية السعودية وحول العالم إلى بيوت الله لأداء صلاة التراويح والقيام، التي تعد من شعائر هذا الشهر الفضيل.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية العناية بكيفية أداء العبادات على الوجه الأكمل، اتباعًا لسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وابتغاءً لمرضاة الله سبحانه وتعالى. وفي متابعة حصرية لـ 'سعودي 365'، رصدنا نقاشًا شرعيًا مهمًا حول ظاهرة بدأت تنتشر في بعض المساجد، وهي ما يطلق عليها 'الاعتداء في الدعاء' خلال قنوت الوتر.

ظاهرة 'الاعتداء في الدعاء': تحليل وتصحيح شرعي

يعد الدعاء مخ العبادة وجوهرها، وهو صلة العبد بربه. وقد أمرنا الله عز وجل أن ندعوه تضرعًا وخفية، مؤكدًا أنه لا يحب المعتدين. ومع ذلك، يرى عدد من العلماء والمشايخ أن بعض الممارسات الحديثة في دعاء القنوت، خصوصًا في ليالي رمضان، قد تخرج عن حدود الأدب الشرعي والاعتدال.

ما هو الاعتداء في الدعاء؟

الاعتداء في الدعاء مفهوم شرعي يعني تجاوز الحدود المشروعة في الدعاء، سواء كان ذلك في ألفاظ الدعاء أو في هيئته. وقد ورد في كتاب الله قوله تعالى: «ادعوا ربكم تضرعًا وخفية، إنه لا يحب المعتدين». وفي تفسير هذه الآية الكريمة، أوضح إمام التفسير ابن جريج رحمه الله أن المقصود هو كراهية الاعتداء في الدعاء، وأن الإنسان يؤمر بالتضرع والاستكانة.

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الاعتداء في الدعاء قد يتخذ أشكالاً عدة، منها:

  • سؤال ما لا يجوز شرعًا.
  • رفع الصوت والصياح المبالغ فيه.
  • التكلف في اختيار الألفاظ أو التمطيط والتطويل غير المشروع.

ويؤكد هذا المعنى الحديث النبوي الشريف الذي رواه أبو داود وصححه الألباني، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور». وهو ما نراه اليوم في بعض الممارسات التي تتجاوز هديه صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته الكرام.

دعاء القنوت في الوتر: السنة والاعتدال

صلاة الوتر سنة مؤكدة، ويستحب فيها القنوت بالدعاء. وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما دعاءً جامعًا ومباركًا يقوله المسلم في قنوته:

الدعاء النبوي المأثور: قدوة وهداية

  • «اللهم اهدِنا فيمن هديت، وعافِنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وقِنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت».

هذا الدعاء المأثور لا يستغرق إلا دقائق معدودة، ويحمل في طياته أبلغ معاني التوكل والاعتراف بفضل الله. ويرى كثير من أهل العلم، منهم الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، أنه يستحب للإمام أن يضيف بعض الأدعية الجامعة للخير، لكن مع الابتعاد عن الإطالة المفرطة التي قد تشق على المصلين.

إطالة الدعاء ورفع الصوت: إشكالية شرعية واجتماعية

لقد دأب بعض الأئمة في الآونة الأخيرة على إطالة دعاء القنوت بشكل مبالغ فيه، لدرجة أنه قد يصل إلى ربع أو نصف ساعة، مع رفع الصوت بالصراخ والنحيب، وتكلف البكاء، وتحويل الدعاء إلى موعظة طويلة. وقد أكد لـ 'سعودي 365' عدد من المشايخ والعلماء أن هذه الممارسات تخالف السنة النبوية، وتؤثر سلبًا على خشوع المصلين وتركيزهم.

  • الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: أشار إلى أن الصحيح هو عدم الإطالة في الدعاء؛ لأن الإطالة قد تشق على المصلين، فمنهم الضعيف وصاحب الحاجة ومن يرغب في إدراك فضل قيام ليلة كاملة مع الإمام.
  • الشيخ يوسف الخميس: يرى كراهية الخروج عن دعاء الحسن رضي الله عنه المأثور.
  • الإمام النخعي رحمه الله: حدد مقدار دعاء القنوت بأنه ينبغي أن يكون بقدر تلاوة سورة البروج، مما يدل على وجوب الاعتدال والاختصار.
  • الشيخ سعد الخثلان: نبه إلى أن رفع الصوت بالدعاء والصياح يؤثر على صحة الصلاة، وقد يكون مدعاة للرياء، وشدد على ضرورة كتمان الإمام بكاءه.
  • الشيخ سعد الحميد: انتقد تحويل بعض الأئمة لدعاء القنوت إلى موعظة، وتهييج الناس على البكاء، وهو ما يدعو للشك في الإخلاص ويفضح المرائي.

إن هذه الممارسات لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد صحابته الكرام، وتعد إحداثًا في الدين لا يتوافق مع روح التضرع والخفية التي أمرنا الله بها. بل إنها قد تتسبب في صرف الناس عن المسجد أو إثقال عليهم، وهو ما يتنافى مع مبادئ التيسير في الشريعة السمحة.

دعاء ختم القرآن: بين السنة والاجتهاد

يتطرق النقاش الشرعي أيضًا إلى مسألة دعاء ختم القرآن الذي يقيمه بعض الأئمة في نهاية رمضان ويستغرق وقتًا طويلاً، يصل أحيانًا إلى نصف ساعة. يرى العلماء أن الاعتماد على فعل أنس بن مالك رضي الله عنه بجمعه أهله ودعائه بعد ختم القرآن الكريم لا يجعله سنة راتبة يُبنى عليها في الصلاة.

لقد كان فعل أنس رضي الله عنه خارج الصلاة، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك داخل الصلاة أو بعد كل ختم في المسجد بشكل جماعي. لذا، فإن الإطالة في هذا الدعاء وتخصيصه بهذه الصورة يعد من الاجتهادات التي تحتاج إلى مراجعة وتصحيح، لكي لا تتحول إلى سنة متبعة وهي لم ترد عن خير البرية صلى الله عليه وسلم.

نداء 'سعودي 365' للوسطية والاعتدال في العبادة

في الختام، يدعو 'سعودي 365' إلى ضرورة التزام الوسطية والاعتدال في جميع العبادات، ومنها الدعاء، والابتعاد عن الغلو والتكلف والاعتداء. إن المواطن والمقيم في المملكة العربية السعودية يتطلع إلى أن يجد في بيوت الله السكينة والخشوع المستمد من السنة الصحيحة، بعيدًا عن أي ممارسات قد تشوبها البدعة أو المبالغة.

على الأئمة والخطباء، وهم قدوة المجتمع، تقع مسؤولية عظيمة في تعليم الناس وإرشادهم إلى الهدي النبوي الشريف في الدعاء، وأن يكونوا قدوة حسنة في التضرع والخفية، لا في رفع الصوت والصياح. إن الإخلاص لله هو الميزان الحقيقي لقبول الأعمال، ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، وأن يحفظ بلادنا وقيادتنا الرشيدة وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين حفظهما الله، وأن يديم علينا نعمة الأمن والأمان والرخاء في ظل الشريعة السمحة.

الكلمات الدلالية: # الاعتداء في الدعاء # قنوت الوتر # صلاة التراويح # رمضان # ضوابط شرعية # السنة النبوية # ابن عثيمين # الاعتدال في الدعاء # السعودية