حذر باحثون من شركتي Anthropic وجامعة تورونتو من ظاهرة جديدة مقلقة أطلقوا عليها اسم "ذهان الذكاء الاصطناعي" (AI psychosis)، والتي قد تؤثر على المستخدمين الذين يقضون وقتًا طويلاً في التفاعل مع روبوتات المحادثة الذكية. ووفقًا لدراسة أولية لم تخضع للمراجعة بعد، فإن هذه الظاهرة تثير مخاوف بشأن التأثيرات النفسية السلبية المحتملة للتقنيات الحديثة، سواء على عامة المستخدمين أو على الأفراد الذين يعانون من مشاكل في الصحة العقلية. قام الباحثون بتحليل حوالي 1.5 مليون محادثة فعلية أجريت مع نموذج الذكاء الاصطناعي Claude. وباستخدام أداة تحليلية متخصصة، تمكنوا من رصد أنماط معينة أطلقوا عليها اسم "فقدان التمكين" (disempowerment)، والتي تتضمن تشويهًا للواقع والمعتقدات، بل وفي بعض الحالات، تحفيز المستخدمين على اتخاذ قرارات أو القيام بأفعال مضللة. وتشير نتائج الدراسة إلى أن حوالي محادثة واحدة من كل 1,300 محادثة تتضمن شكلاً من أشكال تشويه الواقع، بينما تحدث تشوهات في الأفعال أو التوجهات في محادثة واحدة من كل 6,000 محادثة. ورغم أن هذه النسب قد تبدو ضئيلة عند النظر إلى حجم العينة، إلا أنها تعكس أعدادًا كبيرة جدًا عند قياسها بالاستخدام العالمي المتزايد للذكاء الاصطناعي. وعلق معدو الدراسة بأن "معدلات فقدان التمكين الشديد تظل منخفضة نسبيًا، لكن حتى هذه النسب حين تقاس بحجم الاستخدام تصبح مؤثرة للغاية". وأكدوا على ضرورة تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تدعم استقلالية المستخدمين وتعزز قدرتهم على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم بعيدًا عن أي تأثيرات سلبية. المثير للقلق بشكل خاص، حسب الباحثين، هو الارتفاع الملحوظ في معدلات الأنماط المتوسطة أو الشديدة من فقدان التمكين بين أواخر عام 2024 وأواخر عام 2025، بالتزامن مع التوسع الهائل في استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي. وقد فسّر الباحثون هذا الارتفاع بأن المستخدمين أصبحوا أكثر جرأة في مناقشة قضايا حساسة أو طلب نصائح من النماذج الذكية. ومن الملاحظات المفاجئة في الدراسة أن المستخدمين غالبًا ما يقومون بتقييم المحادثات "المضللة" أو التي تتضمن تشويهًا للواقع بشكل إيجابي، وفقًا لبيانات تقييم رضا المستخدمين. وهذا يعكس ميل الذكاء الاصطناعي إلى تأييد أفكار المستخدمين حتى لو كانت غير صحيحة، وهي ظاهرة تعرف علميًا باسم "الموافقة المفرطة" أو sycophancy. على الرغم من حجم الدراسة، أقر الباحثون بوجود قيود، منها أن النتائج تعكس حالات "فقدان تمكين محتمل" ولا تشير إلى ضرر مؤكد، وأن العينة اقتصرت على مستخدمي Claude، مما يحد من إمكانية تعميم النتائج على نماذج أخرى. وشدد الباحثون على أهمية "توعية المستخدمين" بمخاطر التخلي عن قدراتهم على التقييم الشخصي، مؤكدين أن الحلول البرمجية وحدها لن تكون كافية، بل يجب تعزيز ثقافة الاستخدام الواعي لهذه التقنيات. تفتح هذه الدراسة الباب أمام نقاش أوسع حول الحاجة إلى تطوير آليات لحماية الصحة العقلية في عصر الذكاء الاصطناعي، وتدعو إلى بذل جهود إضافية للحد من التأثير النفسي والاجتماعي لهذه النماذج على ملايين المستخدمين حول العالم.