التعليم عن بعد: المنقذ وقت الأزمات والمُهمَل وقت الرخاء
عبد الفتاح يوسفمنذ 4 شهر
51
عندما اجتاح وباء كورونا العالم، وارتبكت الحياة، ظهر التعليم عن بعد من هامش الاهتمام إلى دائرة الضوء، لا كحل مؤقت، بل كمنقذ للمعرفة المعرضة للانهيار. استجابت وزارة التعليم ومؤسساتها لهذه الظاهرة بشكل مثالي، واحتفت به خطابًا ومنهجًا، واعتبرته وعدًا بمستقبل تعليمي بلا قيود جغرافية.
تحولت الشاشات إلى نوافذ للمعرفة، والنقرات إلى خطوات في رحابها، والصوت عبر الأثير إلى درس حي. كان التعليم عن بعد أشبه بسحابة ممطرة هطلت على أرض قاحلة، فأحيت الزرع، ومنحت الطلاب والمعلمين لغة تواصل جديدة، وأثبتت أن العلم لا يقاس بمساحة القاعة، بل باتساع الفكرة وطريقة إيصالها.
لكن مع هدوء العاصفة وعودة الحياة إلى إيقاعها الطبيعي بعد انتهاء الجائحة، خفت النشيد الذي ملأ الآفاق. تعاملت بعض الجامعات، للأسف، مع التعليم عن بعد كحالة طارئة، وليس كتجربة تستحق التطوير والاهتمام. طويت صفحته كما تُطوى صفحة عام مضى، وكأن الدرس انتهى بانتهاء الجائحة، لا بها بدأ.
المفارقة أن التعليم عن بعد لم يكن وهمًا أو ترفًا، بل أثبت جدارته حين ضاقت الخيارات. كشف عن مرونة التعليم والتعلم في التكيف. لكن الإهمال الذي لحق به بعد ذلك يكشف عن أزمة أعمق، وهي أزمة إيمان بالفكرة، لا أزمة وسائل. الفكرة التي لا تُسقى بالاستمرارية تذبل.
تجاهل التعليم عن بعد اليوم يشبه إنكار قيمة الجسر بعد عبور النهر، أو إطفاء المصباح لأن النهار أسفر، مع أن الليل قد يعود. فهو ليس بديلاً عن التعليم الحضوري، بل ظله، وحليفه، وخياره الذي ينتظر من يعترف بحاجته إليه. ومن يدعي أن التعليم عن بعد أفقد التعليم التواصل، يمكن القول إن من يمتلك المهارة لخلق بيئة فصل حضوري تفاعلي، قادر على خلقها عبر الأثير.
يبقى السؤال الأبرز: هل كان احتفالنا بالتعليم عن بعد نابعًا من قناعة، أم كان حاجة ضرورة؟ الإجابة وحدها ستحدد إن كان سيظل ذكرى من زمن الجائحة، أم بذرة حقيقية لمستقبل تعليمي أكثر اتساعًا ومرونة.
الكلمات الدلالية:# التعليم عن بعد# التعليم الحضوري# جائحة كورونا# وزارة التعليم# مستقبل التعليم# التعليم المرن# التعلم الرقمي