الفيلم المغربي "الأكثر حلاوة" يمثل السينما العربية الوحيد في مهرجان كان 2026
في دورة تتجه بوضوح نحو السينما العالمية وسينما المؤلف، يبرز الفيلم المغربي "La Más Dulce" (الأكثر حلاوة) للمخرجة ليلى المراكشي كممثل وحيد للسينما العربية ضمن الفعاليات الرسمية لمهرجان كان السينمائي لعام 2026. وقد علم مصادر "سعودي 365" أن الفيلم اختير للمشاركة في قسم "نظرة ما" (Un Certain Regard)، أحد أهم أقسام المهرجان المخصصة للأصوات السينمائية المختلفة والتجارب الجريئة.
عودة المخرجة ليلى المراكشي إلى كان برؤية ناضجة
تعود المخرجة ليلى المراكشي إلى مهرجان كان بعد مسار بدأ من نفس المنصة عام 2005 بفيلم "ماروك"، الذي عُرض أيضًا في قسم "نظرة ما"، قبل أن تواصل تجربتها بفيلم "روك القصبة" عام 2013، وتعمل لاحقًا على مشاريع دولية من بينها مشاركتها في إخراج مسلسل The Eddy. هذه العودة لا تبدو مجرد مشاركة جديدة، بل أشبه بدائرة تكتمل؛ حيث تعود المراكشي إلى القسم ذاته، ولكن برؤية أكثر نضجًا، وأكثر التصاقًا بالواقع الاجتماعي، وأكثر جرأة في مقاربة القضايا الإنسانية.
قصة الفيلم: رحلة "فاطمة" نحو الخلاص في مزارع الفراولة
تنطلق حكاية الفيلم من مدينة طنجة، حيث تعيش "فاطمة"، امرأة خرجت حديثًا من السجن، تحمل ماضيًا ثقيلاً، وأملًا هشًا في أن تبدأ من جديد. لديها ابن في التاسعة من عمره، وتبحث عن فرصة تعيد من خلالها بناء حياتها. تبدو الرحلة إلى إسبانيا، وتحديدًا إلى مزارع الفراولة في الأندلس، وكأنها باب مفتوح نحو الخلاص. هناك، في مخيلتها، فرصة للعمل، وجمع المال، وتحقيق بداية جديدة. إلدورادو صغيرة، لكنها كافية لتتمسك بها.
اقرأ أيضاً
واقع قاسٍ خلف الوعود البراقة
غير أن هذه الصورة سرعان ما تتشقق مع الوصول. الواقع لا يشبه الحلم، والوعود التي حملتها الرحلة تتلاشى أمام تفاصيل يومية قاسية. داخل الصوب البلاستيكية الزراعية، حيث تُزرع الفراولة التي تصل إلى المتاجر الأوروبية، تبدأ طبقة أخرى من الحكاية في الظهور. العمل شاق، الساعات طويلة، والظروف المعيشية قاسية إلى حدّ يلامس الإهانة. الفيلم لا يقدّم هذه المعاناة كخلفية فقط، بل يجعلها محورًا سرديًا، حيث تتحول تفاصيل العمل اليومي إلى عنصر درامي يكشف هشاشة الوضع الإنساني. هنا، لا توجد رفاهية الاختيار؛ فقط ضرورة الاستمرار.
عزلة وتضامن نسائي في مواجهة الظروف
تجد النساء أنفسهن في بيئة لا يتحدثن لغتها، ولا يعرفن قوانينها، ولا يملكن أدوات الدفاع عن حقوقهن، ما يجعل العزلة مضاعفة: عزلة جغرافية، وثقافية، وقانونية. وسط هذا الواقع، تلتقي فاطمة بثلاث نساء: أمينة، سعيدة، وخديجة. لكل واحدة قصتها، لكنهن يشتركن في شيء واحد: الحاجة. تنشأ بينهن علاقة تتجاوز الصداقة، لتصبح نوعًا من التضامن الإنساني. في مواجهة العمل القاسي والظروف المزرية والمضايقات اليومية، تتحول هذه العلاقة إلى وسيلة للبقاء. يتابع فريق "سعودي 365" عن كثب كيف يرصد الفيلم هذه العلاقات بتفاصيل دقيقة، كاشفًا كيف يمكن للهشاشة المشتركة أن تصنع قوة، وكيف يمكن للعزلة أن تخلق روابط غير متوقعة.
ذروة درامية وخيار أخلاقي معقد
مع تصاعد الأحداث، يتطور الصراع من كونه داخليًا إلى مواجهة مفتوحة مع الواقع. لم يعد الأمر متعلقًا فقط بالتحمل، بل بالقدرة على قول الحقيقة. يضع الفيلم شخصياته أمام خيار معقد: الاستمرار في الصمت لضمان البقاء، أو المجازفة بكل شيء — العمل، الاستقرار، وحتى العودة إلى الوطن — في سبيل كشف ما يتعرضن له. هذه اللحظة تمثل ذروة درامية، لكنها أيضًا لحظة أخلاقية، تكشف عمق الأسئلة التي يطرحها الفيلم حول الكرامة والعدالة.
منظومة اقتصادية تخفي واقع العمالة الهشة
في مقاربتها، تكشف ليلى المراكشي عن عالم خفي يقف خلف صناعة تبدو عادية. فإسبانيا تصدّر مئات الآلاف من أطنان الفراولة سنويًا، بعائدات تصل إلى مئات الملايين من اليوروهات، لكن خلف هذه الأرقام يوجد واقع آخر. الفيلم يسلط الضوء على العمالة الموسمية، خصوصًا النساء القادمات من شمال إفريقيا ودول أخرى، اللواتي يعملن في ظروف هشة، غالبًا دون حماية قانونية كافية. ترى المراكشي أن هذا الواقع ليس مجرد خلل، بل نتيجة منظومة اقتصادية معقدة، تتداخل فيها اعتبارات الربح مع التمييز الطبقي والعرقي، ما يجعل هذه الفئة من النساء "غير مرئية" رغم دورها الأساسي في الإنتاج.
عناصر سينمائية تجسد الاختناق والواقع
تعتمد المخرجة على عناصر مستوحاة من أفلام النجاة والسجن، حيث تتحول الصوب البلاستيكية إلى فضاءات مغلقة، تفرض قيودًا غير مرئية على الشخصيات. في هذه المساحات، لا تُروى الحكاية فقط، بل تُعاش. الكاميرا تقترب من التفاصيل، من الوجوه، من الإيماءات الصغيرة، لتبني إحساسًا بالاختناق، يعكس الحالة النفسية للشخصيات. يقود الفيلم طاقم نسائي يضم أسماء مثل نسرين الراضي، هاجر كريكع، فاطمة عاطف، وحنان بنموسى، حيث يقدمن أداءً جماعيًا يعكس تعدد التجارب داخل إطار واحد. لا يركز الفيلم على بطلة واحدة، بل يبني شبكة من الشخصيات، لكل منها صوتها، وحكايتها، وزاوية نظرها الخاصة. الفيلم من تأليف دلفين أغوت وليلى المراكشي، ومن إنتاج شركة Cinestésia، بإشراف المراكشي، ما يمنحه طابعًا شخصيًا واضحًا، حيث تتقاطع الرؤية الفنية مع التجربة الواقعية.
أخبار ذات صلة
مهرجان كان 2026: توجه نحو سينما المؤلف والأصوات المختلفة
تؤكد هذه المشاركة توجه المهرجان نحو السينما الفنية ذات الطابع الشخصي، في مقابل تراجع حضور الإنتاجات التجارية الضخمة. بعد دورة 2025 التي شهدت حضورًا هوليووديًا لافتًا، تتجه دورة 2026 نحو هيمنة السينما الدولية والأفلام المستقلة. كما يُحتمل انضمام أفلام أخرى ضمن قسم "نظرة ما"، مما يعكس اهتمام المهرجان باستكشاف الأصوات السينمائية الجديدة والجريئة.
تابعوا التغطية الكاملة والمستمرة لفعاليات مهرجان كان السينمائي عبر "سعودي 365".