القاهرة - وكالة الأنباء العربية
الذكاء الاصطناعي والكتابة يمثلان مفترق طرق حاسماً في تاريخ الإبداع البشري، حيث تتوالى التصورات حول 'موت المؤلف' وتراجع دور المثقف التقليدي، ليحل محله منتجو الخطابات العابرة على منصات التواصل. هذه التحولات، التي تعززها نظريات مثل 'الاتجاه إلى القارئ'، باتت تضع أصالة النص ومستقبله على المحك.
لم تعد الكتابة مجرد تعبير فردي، فكل قارئ يدرك النص بطريقته الخاصة، ساحباً إياه إلى فهمه وتجربته الشخصية. هذا التوزع في الإدراك يفتح الباب أمام تفسيرات متعددة، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول مركزية المعنى الأصلي ودور المبدع.
اقرأ أيضاً
يتسع حضور الذكاء الاصطناعي في مجال الكتابة، مخلفاً وراءه عيوباً شديدة قد تصل إلى كوارث، تؤثر مستقبلاً في ذاتية الكتابة وأصالتها. ومع تراكم هذه النصوص المولدة آلياً، قد تتشكل اتجاهات رأي عام لا تعبر بالضرورة عن الصالح العام، أو تخدم قضايانا الحيوية في السياسة والاجتماع والمعرفة.
نظرية 'التناص'، التي طرحتها الناقدة جوليا كريستفا، تؤكد أن أي نص جديد لا يمكن أن يأتي من فراغ، بل يتأثر بما استقر في ذهن الكاتب من أفكار وأساليب ومفردات الآخرين، ومن النصوص الدينية والموروث الشعبي والأعمال الأدبية الكلاسيكية. هذا المعين الثقافي يحتشد في ذاكرة أي كاتب ويُستدعى أثناء الكتابة، حتى لو لم يكن واعياً بذلك.
لكن التناص والإحالات لا تنزع عن الكتابة الأدبية والفلسفية طابعها 'الذاتي'، بوصفها نتاج عقل الكاتب ووجدانه، وتعبيره عن موقفه من الذات والآخر والمجتمع والعالم. فالكاتب ظل عبر قرون طويلة هو الإنسان القادر على التعبير عما يرى ويريد، وهذا ما يميزه عن بشر آخرين يفتقرون إلى القدرة على تسطير أفكارهم ومشاعرهم بشكل متماسك.
وقد واجهت هذه النزعة الذاتية تحديات تاريخية، منها الاكتفاء بإنتاج التصانيف التي لا تعدو كونها جمعاً أو ترتيباً أو شرحاً للمجمل. ثم جاء الانتحال، حيث نُسب إلى بعض أهل المعرفة والأدب ما لم يكتبوه، وبلغ هذا شأناً ظاهراً في التراث العربي، كما ذكر ابن سلام الجمحي في 'طبقات فحول الشعراء' وغيره.
الذكاء الاصطناعي والكتابة: خطر يهدد أصالة المحتوى
لم يقتصر الأمر على التراث العربي، فقد شكك مؤرخون في الغرب في وجود شخصيات حقيقية مثل سقراط وهوميروس، معتبرين إياها اختراعات لاحقة نُسبت إليها أعمال عظيمة. كما دار الجدل حول مسرحيات ويليام شكسبير، وما إذا كانت لمؤلفين كثر عملوا تحت اسمه.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت ظاهرة 'ورش الكتابة' حيث يجلس عدد من الكتاب لتأليف كتاب يصدر باسم واحد، أو باسم من ينفق على الورشة. وكثر الحديث عن 'كاتب الظل' الذي يؤلف لغيره لقاء مبلغ من المال، متقنعاً أحياناً بدور المحرر الأدبي أو مساعد الباحث.
أخبار ذات صلة
لقد صار بعض المعروض في 'سوق الكتابة' اليوم، إن صح التعبير، ليس سوى بضاعة مغشوشة؛ لأن الذكاء الاصطناعي هو مؤلفها الحقيقي. ومع إهمال كثير من المنابر الإعلامية ودور النشر الصغيرة للبرامج الإلكترونية التي تتحقق من أصالة النص، يتسلل هذا المحتوى المصطنع إلى مجال الكتابة، مهدداً بذلك جوهر الإبداع البشري. يتطلب الأمر يقظة مستمرة للحفاظ على أصالة الفكر والكلمة.
لمزيد من الأخبار والتحليلات، تابعوا وكالة الأنباء العربية.


التعليقات 0
أضف تعليقك