سعودي 365
الأحد ١٤ يونيو ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
عاجل

التوثيق الشفوي: رئة التاريخ التي لا تنقطع

التوثيق الشفوي: رئة التاريخ التي لا تنقطع
عبد الفتاح يوسف
منذ 4 شهر
57
الرواية والتدوين ليسا ضدين يغرد كل منهما في سرب خاص، بل هما شريكان في رحلة محورية لصناعة التاريخ المعاصر. فقد كتبا التاريخ معاً، وتشاركا في صون أحداثه، وقدماه لنا بشكله الصحيح والمكتمل. لم تدخل الروايات الشفوية والمصادر المدونة، كما قد يظن البعض، في سباق من أجل الهيمنة على كتابة التاريخ. بل حملا معاً أمانة الحفاظ عليه؛ فالرواية الشفوية حفظت ما لم يلحق به التدوين من أحداث، كما وثّق التدوين مراحل مهمة من التاريخ خوفاً من الفقد والضياع. أدى التوثيق الشفوي والتدوين دورهما المحوري والتكاملي في صناعة التاريخ المعاصر. ومع ذلك، ربما أخطأ البعض في قراءة هذا التكامل، حيث همّش البعض الرواية الشفوية معتمداً المصادر المدونة كأداة رئيسية في عملية التدوين، فيما انتصر آخرون للروايات الشفوية وأهميتها بوصفها مخزوناً ثقافياً لا يمكن إغفاله. إن التوثيق الشفوي، بكل ما فيه من قصص وروايات وشهادات ومرويات نادرة، حفزني لتتبع مساراته واقتفاء أثره. فقد وقفت على دوره المؤثر وجمعت معلوماته، حتى تحول البحث عن رواياته وشهاداته بداخلي إلى شغف، وأصبح الفوز بقصصه ومروياته النادرة رهان نجاح ومسؤولية مهنة. عشت مع التوثيق الشفوي عن قرب داخل المركز الشفوي بدارة الملك عبد العزيز، فرأيته بعين الباحث "رئة حياة" تجدد دماء التاريخ وتضمن للذاكرة الديمومة والبقاء. لقد أعادت دارة الملك عبد العزيز، ممثلة في مركزها الحيوي النشط، للتاريخ الشفوي قوته ومكانته، وعظّمت من دوره وتأثيره، وحملته ليأخذ مكانه المستحق، ليقف على خط واحد مع التدوين كمصدرين أساسيين للتاريخ. لم تقف جهود دارة الملك عبد العزيز عند ما تحتفظ به داخل مركزها من كنوز مكتوبة أو مسجلة صوتياً لمعاصرين من كبار السن عاينوا أحداثاً أو عايشوا قصصاً لها قيمتها وتأثيرها تاريخياً، بل أطلقت مبادرات بعناوين متباينة لتوثيق الذاكرة الوطنية، وعززتها بفعاليات تبني الوعي بقيمة الرواية الشفوية وعظم دورها وتأثيرها. وعلى خط موازٍ، كان لإمارة منطقة المدينة المنورة دور بالغ الأهمية بعد إطلاقها مبادرة التوثيق الشفوي لتاريخ المدينة، التي أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، مستشار خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - إبان توليه إمارة منطقة المدينة المنورة آنذاك، وتحديداً عام 1439هـ. حازت مبادرة التوثيق الشفوي لتاريخ المدينة كل الاهتمام لأثرها وتأثيرها وأهدافها التي حرصت على تأصيلها، ومنها صون المكتبة الوطنية، وتوثيق وتسجيل الشخصيات العلمية والاجتماعية، وخدمة موروث المدينة المنورة، وتكوين مصدر تاريخي يتمتع بموثوقية عالية. شكل هذا الحراك، الذي قدمه خبراء ومختصون، رافداً أثرى التاريخ الشفوي وصنع قصصه ورواياته التي ساهمت بحق في تشكيل تاريخ الوطن. عشت مع التاريخ الشفوي شهوراً كانت الأكثر إمتاعاً. عشت قريباً من قصص لم تحملها كتب التدوين، وحملت من التأثير ما لم تحمله نظيرتها المدونة. كثيراً ما سألت نفسي: كم يا ترى تساوي في ميزان التاريخ رواية شاهد على عصر؟ أو قصة يحكيها معاصر لحدث؟ أو رواية يقدمها من يملك معرفة عميقة بالعادات والتقاليد؟ هذه الروايات الشفوية أقرب إلى الكنز المعلوماتي، أكملت فجوات في صفحات التاريخ كنا بحاجة لها كي نعرف التاريخ أكثر.

الكلمات الدلالية: # التوثيق الشفوي # الرواية الشفوية # التدوين التاريخي # دارة الملك عبد العزيز # تاريخ المدينة المنورة # الذاكرة الوطنية # مصادر التاريخ