في إنجاز صحفي حصري، يسعد فريق سعودي 365 أن يكشف الستار عن قامة أدبية فريدة
في عالم يتسارع فيه النسيان، يبرز دور الصحافة الجادة في إعادة إحياء الكنوز الفكرية والأدبية التي قد يطويها غبار الزمن. وفي إنجاز صحفي حصري، يسعد فريق سعودي 365 أن يكشف الستار عن قامة أدبية فريدة لم تنل حقها من التقدير والاحتفاء، هو الأستاذ خلف أحمد عاشور سِبيه، الذي أتحف المكتبة العربية بكتابه النفيس "أيام وأيام". هذا العمل الأدبي لا يمثل مجرد سرد لذكريات، بل هو نافذة حقيقية على حقبة تأسيسية في تاريخ المملكة العربية السعودية، يرسم ببراعة تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطن والمقيم في زمن كان فيه كل شيء يبنى من الصفر.
طالما مرَّ اسم الأستاذ خلف أحمد عاشور سِبيه في كواليس الثقافة، لكن لم يتم تسليط الضوء الكافي على إسهاماته. وقد عرفه الكثيرون في مجال عمله كأحد كبار الموظفين في "مجموعة بن لادن السعودية" العملاقة، وهي المؤسسة الاقتصادية الكبرى التي ساهمت وما زالت تساهم في نهضة المملكة تحت قيادة حكومتنا الرشيدة، حفظها الله. لكن الوجه الأدبي لهذا الرجل، الذي اتسم بالتواضع الجم وكريم السجايا، ظل مغموراً رغم عمق ما قدمه.
"أيام وأيام": نافذة على زمن ينبع الأصيل والمدينة المنورة
تراث أدبي يوثق تاريخ الأمة
يتلقى القارئ لكتاب "أيام وأيام" هدية ثمينة؛ فهو مجموعة منتخبة من فصول أدبية كان يُذيعها الكاتب في صحف ومجلات مختلفة. هذا الكتاب، الذي يتميز بأسلوبه الشيق وعمقه التاريخي، لا يقتصر على كونه سيرة ذاتية وحسب، بل يتعداه ليكون مرجعاً مهماً للباحث والمؤرخ الراغب في استكشاف جزء من تاريخ ينبع والمدينة النبوية المنورة، ومكة المكرمة – شرفها الله – خاصة في سنوات نشأة المملكة وتطورها.
اقرأ أيضاً
- سنوات النشأة والطلب: يسرد الكاتب ذكرياته عن نشأته في ينبع والمدينة المنورة، وسنوات طلبه للعلم في مدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة، حيث تتلمذ على أيدي أساتذة رواد أمثال السيد أحمد العربي، وعمر عبد الجبار، وعبد الله عبد الجبار – تغمدهم الله بواسع رحمته.
- الأدب الخالص والسرد القصصي: ما يميز فصول هذا الكتاب هو تجاوزها للصحافة العادية إلى مستوى الأدب الخالص. فقد شبهه النقاد بقصص الأديب الكبير يحيى حقي – رحمه الله – التي تستقي من معاناة الكاتب وتجاربه، وتقدم فنًا رفيعًا يمكن اعتباره قصصًا قصيرة أو مقالات متفردة.
صور حية من ينبع القديمة: البحر، الميناء، والبوق الإنساني
من المنجارة إلى القاد: حكايات من قلب الميناء
يأخذنا الأستاذ خلف عاشور في رحلة ساحرة عبر فصول كتابه، ومن أبرزها فصل "من المنجارة إلى القاد"، وهما محلتان قديمتان في ينبع البحر. هنا، نلتقي بحديث عذب عن ماضي أدركه الكاتب في صباه عن البحر والميناء والبواخر والتجارة. ويقدم هذا الفصل فائدة عظيمة للمؤرخ الاقتصادي، ولكن الأهم هو اللمسة الأدبية والإنسانية البارعة التي أضافها الكاتب.
فبينما يصف الكاتب حركة البيع والشراء، والتاجر والموظف والعامل، تلتقط عينه مشهدًا يضوع إنسانية: "فالبواخر لا ينسى ربابنتها، وهم يتهيأون لمغادرة ميناء ينبع أن يُحيوا البلدة بـ ‘صفارة‘ تطلقها المدخنة ثلاث مرات، فترد إدارة ‘الكنداسة‘ التحية بأفضل منها، فتبعث بثلاث تحيات من مدخنتها، ما دامت الكنداسة تعمل! فإذا أصابها عطب، وكان ذلك كثير الوقوع، تكافئ تحايا البواخر بالصمت والسكوت!"
في خضم هذه الجلبة، يبرز "القهوجي" مصطفى عنيبسي – رحمه الله – الذي، عندما تعجز الكنداسة عن الرد، يشتري "بوقًا" ليقابل تحية البواخر بتحية مماثلة، ليس لأن صوته سيخترق الفضاء، بل ليحفظ للبلدة عادتها. هذه اللفتة الإنسانية العميقة تجسد روح الانتماء والتكافل التي كانت سائدة في مجتمعنا السعودي الأصيل.
"سيارة الرواتب": أيقونة زمن مضى ومعاناة الموظفين الأوائل
صراع الانتظار: حكايات من زمن الخدمات المدنية المبكرة
لعل من أعمق الفصول وأكثرها ارتباطًا بحياة المواطن في تلك الحقبة، فصل "سيارة الرواتب". يصف الكاتب ألوانًا من عيش طبقة الموظفين في أول عهد المملكة بالوظائف المدنية، حيث كانت الرواتب تتأخر، وتتكدس الديون على الموظفين لدى القصّاب وبائع الخضراوات والبقال والسمّاك. وكانت الميسرة الوحيدة لهم هي "اليوم الذي يُبشرون فيه بوصول سيارة الرواتب! إنه يوم كله فرح وسعادة وحبور!"
هنا يبرز "فراش المالية"، الذي كان يصعد يوميًا إلى سطح إدارة المالية "يترصد طريق الساحل، دون أن يرى أثراً لغبار يتصاعد في الطريق، أو شبحاً صغيراً قد بدا مُحاذيًا للساحل، يدل أكثر ما يدل على قدوم هذه السيارة، فليس هناك سيارات أخرى تسلك هذا الطريق بانتظام غير هذه السيارة فقط!" هذه الصورة الحية تنقل لنا حجم القلق والتعب الذي كان يعانيه الفراش والموظفون ومن ورائهم التجار الصغار، الذين كانت سعادتهم معلقة بكلمة واحدة: "سيارة الرواتب بينت!"
أخبار ذات صلة
- زيرمات السويسرية: دليلك الشامل لرحلة لا تُنسى إلى قلب جبال الألب مع سعودي 365
- زوجة هاني شاكر: شائعات فشل العلاج في مصر لا أساس لها.. والسفر لاستكمال النقاهة
- لا للرجيم: 'سعودي 365' يكشف حلولاً صحية لوزن الأطفال بعيداً عن الحرمان
- سيرك بلوما يضيء سماء جدة: تجربة ترفيهية عالمية تؤكد ريادة المملكة في صناعة الفعاليات
إن ما وثقه الأستاذ خلف عاشور ليس مجرد حكايات، بل هو جزء أصيل من تاريخ الخدمات الحكومية في المملكة، وكيف كانت تحدياتها تؤثر مباشرة على حياة المواطن والمقيم. إنها دعوة للتأمل في البدايات، وكيف قطعت بلادنا، بفضل الله ثم بفضل قيادتها الحكيمة والجهود المخلصة، أشواطاً عظيمة في تطوير وتقديم أفضل الخدمات للمواطنين والمقيمين.
سعودي 365 تؤكد: أدب رفيع يستحق التقدير والعناية بالجهات المعنية
في ختام هذا التقرير، تؤكد سعودي 365 على أهمية إبراز مثل هذه الأعمال الأدبية والتاريخية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من هويتنا الوطنية. ندعو الجهات المعنية بالمجال الثقافي والأدبي إلى المزيد من البحث والتحقيق في أعمال قاماتنا المجهولة مثل الأستاذ خلف أحمد عاشور سِبيه، وإعادة طبع أعمالهم وتقديمها للأجيال الجديدة لتستلهم منها العبر وتتعرف على جزء أصيل من تاريخ وطنها المعطاء. فما يقدمه هؤلاء الأدباء هو سجل حي يجسد مراحل بناء هذه الدولة الفتية التي أصبحت اليوم منارة للعالم بفضل الله ثم بفضل قيادتنا الرشيدة، حفظها الله.